عابد المصري. عمرو عابد ينتهي من تصوير مشاهد «القمر في آخر الدنيا»

إن كل ما سوف تطالعه بالصفحات التالية هي حقائق واقعية حدثت زمانا و ُقربا من المكان مع استبدال لبعض الأسماء لمن قام بها حرصاً مني علي سرية المعلومة ولهم من شعب مصر كل تقدير وتكريم وإحترام ، لقد أصبحوا من المرابطين والذي تحدث عنهم دين الإسلام الحنيف تصميم الغلاف: ريهام سهيل
قاومت خوفى وألمى بالسباحة حبا ً في الحياة ودفاعا عن النفس بأننى لن أظل لقمة سائغة لطيور النورس البحرية ، كنت أسبح بكل قوتى رغم إصابتى الشديدة والالتهابات والتسلخات بمسطح جلد الوجه والرقبة ، كنت أشعر بأننى ُعدت إلى الوراء عدة أعوام حينما كنت أغامر بالسباحة لمسافات طويلة منافسا أصدقائى بالإسكندرية ، إذا ًاستعاد عابد السباح الماهر لياقته وقوته مما دفع بى للشعور بالثقة فساعد هذا على أن تعود إلىّ بعض من شجاعتى التى ولت وهربت منذ مشاهدة النوارس البحرية ، ظللت أسبح وأسبح وأشاهد الأضواء تقترب منى وهذا دليل بأننى قريب من الشاطئ

عمرو عابد ينتهي من تصوير مشاهد «القمر في آخر الدنيا»

ولأن صوته لم يكن عاليا أو مسموعا فقد طوته صفحات النسيان.

12
روايه عابد المصري
إحدى الأمسيات أتت الابنة الكبرى " ُرقية" إلى السطح ، كنت وقتها أجلس بداخل الحجرة أستعيد بعضا من ذكريات أسرتى بالإسكندرية وكيف حالهم الآن وهم لا يعلمون أين أنا وكيف أخبرهم وأنا عالق في هذا المكان ولا توجد وسيلة مواصلات خاصة ، لقد طلبت مني الأم الهدوء والسكينة لأن الإسرائيليين يقتلون أو يأسرون كل جندى وضابط تقع أعينهم عليه
الهيئة المصرية العامة للبترول
الهيئة المصرية العامة للبترول
تحرك القطار وعبر من فوق كوبرى الفردان والذي يقع شمال مدينة الإسماعيلية ، كنت سعيدًا وأنا أشاهد هذا الكوبرى الحديدى والذى يشبه كوبرى إمبابة ولكنه أقل منه حجما ، كنت أشاهد البواخر العملاقة علي بعد عدة كيلومترات وقد ربطت بالمخطاف المثبت علي الشاطىء حتي تمام عبور القطار وبعده ُيفتح الكوبرى حتي تعود الملاحة للبواخر ، كان تصميم الكوبرى علي هيئة جناحين والفاصل بينهما تمر منه البواخر ، ُكنت سعيدا بتلك التجربة وغمرتنى الفرحة والنشوة وأنا أجلس بداخل القطار بالدرجة الثانية فليس به سوى درجتين وهما الثانية والثالثة ، ُكنت أتابع المناظر المحيطة من شباك القطار ومن حين لآخر ُيقبل علىّ الجرسون بداخل القطار عارضا علي الركاب ما يحمله من مشروبات وسجائر وخلافه ، كان الجرسون يعشق عمله ويقدم خدمة راقية وسريعة ويتحدث همسا ًحتى لا يزعج بعض الركاب الذين خلدوا في نومهم وقد تعالت أصوات الشخير الصادرة من الأفواه مازالت الطيور البحرية تهبط على القوارب المجاورة لنا فتحصل على طعامها من تلك الجثث الكثيرة ونحن لم نتخذ قرارا بعد ، هل نتحرك بهم إلى البر ونقوم علي دفنهم ونواريهم الثرى وهذا قد يعرضنا للخطر بان تهاجمنا أية وحدة من قوات العدو أو نتركهم هكذا لعوامل الطقس الحار والرطوبة المرتفعة والبخر الذي تسبب في شى جلودنا خاصة منطقة الوجه والرقبة أم نلقى بهم في المياه ، كانت كل البدائل المطروحة أمامنا صعبة للغاية سواء في التنفيذ أو لخطورة ذلك لما يمثله هذا من عبء نفسى ونحن نلقى بزملائنا في عرض البحر
لم تتركنا "الدلافين" بمفردنا حيث أقبل البعض من أسرابها وقامت بعرضها الراقص أمام المركب وهي تحدث أصواتا ًُمميزة من حولنا ، شاهدت الأسى والحزن علي وجه "سَـلمان" وحينما شاهد انعكاس ملامح وجه علىّ أخبرني قائلا ًبأن "الدلفين" متوتر وهذا يدل بأن شيئا سيئا حدث أو قد يحدث بعد قليل ، ابتسم فاروق وهز رأسه وأشار بيده مؤكدا حديث "سَـلمان" ، اقتربنا أكثر فأكثر من تلك القوارب ولكن أصابتنا الدهشة والصدمة حيث كانت القوارب عبارة عن توابيت خشبية عائمة علي سطح البحر وكل قارب به ما بين ثلاث إلي خمس جثث والبعض هاجمه التحلل وانتشرت الرائحة الكريهة في محيطها ومن خلال مشاهداتي تلك شاهدت جثث بعض جنودي الذين فروا دون إذن منذ الليلة الثالثة لبدء المعارك تبادلت أنا و"سَـلمان" النظرات من حين لآخر ونحن نطالع أحوال فاروق وقد هدأت حالة النزف وقلت كمية الدماء المتدفقة من جسده ، اعتدل فاروق في جلسته من وضع النوم جانبيا إلى وضع النوم مستلقى على ظهره ناظرا إلينا كأنما لسان حاله يخبرنا بأنه بخير وعلى أحسن ما يرام ، بدا في إطلاق بعض النكات الضاحكة كما دندن ببعض أغان شعبية شائعة ويغلب عليها الألفاظ الخليعة والمنحطة ويعقب كل أغنية بضحكة عنترية قوية ، ُكنت متخوفا عليه حيث ما يقوم به لا يتناسب ووضعنا الصعب وحالته الصحية فنحن علي كف عفريت وقد نفاجأ بشئ غير طبيعى من العدو ، وهذا وارد ورغم هذا فما زال فاروق ضاحكا سعيداً ًُمطربا بصوت أبعد ما يكون عن الطرب والغناء ولكننى كنت أعتقد بأن الشاب يودع الحياة ولهذا رغب في أن يكون وداعه ضاحكا باسما كأنما يري ويشاهد شيئا عزيزا أمامه خاصة أنه عكف عن الغناء والضحك وبدا ينظر إلي السماء بنظرات حالمة ويبتسم ابتسامات طيبة كأنما سمع أو شاهد شيئا عزيزا عليه

عمرو عابد ينتهي من تصوير مشاهد «القمر في آخر الدنيا»

وحيث إنه لا صوت لهم فيكتب عنهم عنوان "شهداء حرب أكتوبر" ونصب تذكاري للجندي المجهول لا ينظر إليه أحد إلا حين يقوم بزيارته شخصية مهمة.

19
روايه عابد المصري
قام "سَـلمان" بفرد الشراع وتوجيه المركب فقد تأقلم وتدرب علي تلك الأمور حيث أنه من عائلة تملك بعضًا من قوارب صيد السمك بميناء غزة ، صافحت وجهى نسمات الصباح النادى وكنت أشاهد المياه علي جانبى المركب ولونها ما بين الأزرق والبعض تبدل لونه إلي الأبيض بسبب الفقاقيع الناتجة من اختراق مقدمة المركب لصفحة المياه الهادئة ، كان سطح مياه البحر الأبيض هادئا رائقا والصمت يلف الجميع ، مازلت أنا وَسـلمان نساعد في دفع المركب بالمجاديف الطويلة ، شعرت بأننا قطعنا مسافة طويلة وابتعدنا عن موقع الاشتباك مع الأعداء ، اقترب موعد الظهيرة فقد أصبحت الشمس عمودية وكنت أتبادل مع "سَـلمان" رعاية فاروق وقد ألم بنا نحن الثلاثة العطش والإرهاق فقد أثرت كميات البخر علي أجسامنا فزادت من شعورنا بالاحتياج إلي المياه ، لم يكن من المستساغ تناول مياه البحر المالحة ؛ لأنها سوف تزيد من حاجتنا لمياه الشرب الصالحة
عمرو عابد ينتهي من تصوير مشاهد «القمر في آخر الدنيا»
كان عدد من هاجمونا يقارب العشرين فردا ، ترك القائد الإسرائيلي خمسة من جنوده معنا للحراسة وأمرهم بربط أيدينا بجذع أشجار النخيل حتي يعود من مهمة سريعة وأية محاولة للفرار يتم إطلاق النار علينا وقتلنا في الحال ، كنت أشعر بشعور الأسد أو النمر الذي وقع في الأسر ، حاولت التفكير فى عمل أى شئ ما للهرب ولكن عقلي لم يساعدنى ، مضى علي وجودنا بالأسر عدة ساعات دون ماء وقد قاربت شمس هذا اليوم علي المغيب ، شعرت بأن النوم يغالبنى وأثناء تلك الغفوة الجميلة فزعت علي سماع أصوات إطلاق عدة رصاصات شعرت بعدها بأن جسدى يميل إلي أحد الأجناب والدماء تنزف مني
روايه عابد المصري
ورغم ذلك كان ناكرًا لذاته من أجل وطنه